بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء الثالث
الصفحة 1443 · ص. المطبوع 167
وَأَمَّا الْيَمِينُ بِالشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ فَنَحْوُ قَوْلِهِ : إنْ قَرِبْتُك فَامْرَأَتِي الْأُخْرَى طَالِقٌ ، أَوْ قَالَ : هَذِهِ طَالِقٌ أَوْ قَالَ : فَعَبْدِي هَذَا حُرٌّ أَوْ فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أَوْ قَالَ : فَعَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ أَوْ فَعَلَيَّ حَجَّةٌ أَوْ عُمْرَةٌ أَوْ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ أَوْ فَعَلَيَّ هَدْيٌ أَوْ صَدَقَةٌ أَوْ صَوْمٌ أَوْ اعْتِكَافٌ ; لِأَنَّ الْإِيلَاءَ يَمِينٌ وَالْيَمِينُ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ الْقُوَّةِ ، وَالْحَالِفُ يَتَقَوَّى بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ قُرْبَانِ امْرَأَتِهِ فِي الْمُدَّةِ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَصْلُحُ مَانِعًا مِنْ الْقُرْبَانِ فِي الْمُدَّةِ لِأَنَّهُ يَثْقُلُ عَلَى الطَّبْعِ ، وَيَشُقُّ عَلَيْهِ فَكَانَ فِي مَعْنَى الْيَمِينِ بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِحُصُولِ مَا وُضِعَ لَهُ الْيَمِينُ ، وَهُوَ التَّقَوِّي عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ مُبَاشَرَةِ الشَّرْطِ .
وَكَذَا يُعَدُّ مَانِعًا فِي الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ فَإِنَّ النَّاسَ تَعَارَفُوا الْحَلِفَ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ .
وَكَذَا لِبَعْضِهَا مَدْخَلٌ فِي الْكَفَّارَةِ ، وَهُوَ الْعِتْقُ وَالصَّدَقَةُ ، وَهِيَ الْإِطْعَامُ وَالصَّوْمُ وَالْهَدْيُ ، وَالِاعْتِكَافُ لَا يَصِحُّ بِدُونِ الصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَدْخَلٌ فِي الْكَفَّارَةِ فَلَهُمَا تَعَلُّقٌ بِالْمَالِ فَإِنَّهُ لَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِمَا إلَّا بِمَالٍ غَالِبًا فَأَشْبَهَ الْعِتْقَ وَالصَّدَقَةَ لِتَعَلُّقِهِمَا بِالْمَالِ .
وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْكَرْخِيِّ خِلَافَ أَبِي يُوسُفَ فِي قَوْلِهِ إنْ قَرِبْتُك فَعَبْدِي حُرٌّ أَنَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ لَا يَكُونُ مُولِيًا ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْقَاضِي الْخِلَافَ فِي شَرْحِهِ مُخْتَصَرَ الطَّحَاوِيِّ .
وَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْمُولِيَ مَنْ لَا يُمْكِنُهُ قُرْبَانُ امْرَأَتِهِ فِي الْمُدَّةِ إلَّا بِحِنْثٍ يَلْزَمُهُ ، وَهَهُنَا يُمْكِنُهُ الْقُرْبَانُ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ يَلْزَمُهُ بِأَنْ يَبِيعَ الْعَبْدَ قَبْلَ أَنْ يَقْرَبَهَا ثُمَّ يَقْرَبُهَا ، فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ ، فَلَا يَكُونُ مُولِيًا ( وَجْهُ ) قَوْلِهِمَا أَنَّهُ مَنَعَ نَفْسَهُ مِنْ قُرْبَانِهَا بِمَا يَصْلُحُ مَانِعًا ، وَيُعَدُّ مَانِعًا فِي الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ فَكَانَ مُولِيًا .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : يُمْكِنُهُ أَنْ يَبِيعَ الْعَبْدَ قَبْلَ الْقُرْبَانِ ، فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ بِالْقُرْبَانِ ، فَيَكُونُ الْمِلْكُ قَائِمًا لِلْحَالِ وَالظَّاهِرُ بَقَاؤُهُ وَالْبَيْعُ مَوْهُومٌ فَكَانَ الْحِنْثُ عِنْدَ الْقُرْبَانِ لَازِمًا عَلَى اعْتِبَارِ الْحَالِ ظَاهِرًا ، وَغَالِبًا ، وَلَوْ قَالَ : إنْ قَرِبْتُك فَكُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ حُرًّا .
وَقَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ فَهُوَ مُولٍ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدٍ
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : لَا يَكُونُ مُولِيًا وَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ عَلَّقَ الْيَمِينَ بِالْقُرْبَانِ ، وَعِنْدَ وُجُودِ الْقُرْبَانِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ بَعْدَ التَّمْلِيكِ وَالتَّزَوُّجِ وَالْجَزَاءُ الْمَانِعُ مِنْ الْقُرْبَانِ مَا يُلْزَمُ عِنْدَ الْقُرْبَانِ ; وَلِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَمْتَنِعَ عَنْ التَّمَلُّكِ وَالتَّزَوُّجِ ، فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ ، فَلَا يَكُونُ مُولِيًا وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّهُ جَعَلَ الْقُرْبَانَ شَرْطَ انْعِقَادِ الْيَمِينِ ، وَكَوْنُ الْقُرْبَانِ شَرْطَ انْعِقَادِ الْيَمِينِ يَصْلُحُ مَانِعًا لَهُ عَنْ الْقُرْبَانِ ; لِأَنَّهُ إذَا قَرِبَهَا 167 انْعَقَدَتْ الْيَمِينُ وَالْيَمِينُ إذَا انْعَقَدَتْ يَحْتَاجُ إلَى مَنْعِ النَّفْسِ عَنْ تَحْصِيلِ الشَّرْطِ خَوْفًا عَنْ نُزُولِ الْجَزَاءِ ، وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ قُرْبَانُهَا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ يَلْزَمُهُ وَقْتَ الْقُرْبَانِ ، وَهُوَ انْعِقَادُ الْيَمِينِ الَّتِي يَلْزَمُ عِنْدَ انْحِلَالِهَا حُكْمُ الْحِنْثِ فَيَصِيرُ مُولِيًا وَقَوْلُهُ : يُمْكِنُهُ أَنْ لَا يَتَمَلَّكَ ، فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ قُلْنَا وَقَدْ يَمْلِكُ مِنْ غَيْرِ تَمَلُّكٍ بِالْإِرْثِ ، فَلَا يُمْكِنُهُ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث