وَبِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ° ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مُطَّلِبُ بْنُ شُعَيْبٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ° ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ° ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَشَجِّ ° ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ° ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ° ، أَنَّ فَاطِمَةَ ابْنَةَ أَبِي حُبَيْشٍ ° حَدَّثَتْهُ ، أَنَّهَا أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَشَكَتْ إِلَيْهِ الدَّمَ ، فَقَالَ لَهَا رَسَولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ ، فَانْظُرِي إِذَا أَتَاكِ قَرْؤُكِ ، فَلا تُصَلِّي ، وَإِذَا مَرَّ الْقَرْءُ ، فَتَطَهَّرِي ، ثُمَّ صَلِّي مَا بَيْنَ الْقَرْءِ إِلَى الْقَرْءِ "
واحتجوا أيضا بالإجماع على أن عدة أم الولد حيضة ، وبأشياء يطول ذكرها هذه جملتها ، وممن ذهب إلى هذا : سفيان الثوري ، والأوزاعي ، وأبو حنيفة ، وأصحابه ، وسائر الكوفيين ، وأكثر العراقيين ، وهو الذي استقر عليه أحمد بن حنبل فيما ذكر الخرقي عنه خلاف ما حكى الأثرم عنه ، قال : إذا طلق الرجل امرأته ، وقد دخل بها ، فعدتها ثلاث حيض غير الحيضة التي طلقها فيها إن طلقها حائضا ، فإذا اغتسلت من الحيضة الثالثة ، أبيحت للأزواج . حكى ذلك عنه عمر بن الحسين الخرقي في مختصره على مذهب أحمد بن حنبل ، وهذا مذهب الفقهاء الذين ذكرناهم ، وهو المروي عن أبي بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب ، وعبد الله بن مسعود ، وأبي موسى الأشعري ، ومعاذ بن جبل ، وأبي الدرداء ، وعبادة بن الصامت ، وابن عباس ، وجماعة من التابعين بالحجاز ، والشام ، والعراق ، وقولهم كلهم : إن المطلقة لا تحل للأزواج ، حتى تغتسل من الحيضة الثالثة . وقال آخرون : الأقراء التي عنى الله عز وجل ، وأرادها بقوله في المطلقات : يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ سورة البقرة آية 228 . هي الأطهار ما بين الحيضة ، والحيضة قرء ، قالوا : وهو المعروف من لسان العرب على ما ذكرنا من أهل العلم باللغة في هذا الباب ، قالوا : وإنما هو جمع الرحم الدم لا طهوره ، ومنه قرأت الماء في الحوض أي جمعته ، وقرأت القرآن أي ضممت بعضه إلى بعض بلسانك . قالوا : والدليل على أن الأطهار هي الأقراء التي أمر الله المطلقة أن تتربصها أمر رَسَول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالطلاق في الطهر لمن شاء أن يطلق ، وقوله في العدة التي أمر الله عز وجل أن يطلق لها النساء ، فبين مراد الله عز وجل من قوله : فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ سورة الطلاق آية 1 أو " لقبل عدتهن " وهو المبين عن الله مراده صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وسنزيد هذا الوجه حجة وبيانا فيما بعد من هذا الباب إذ أتينا على نقض ما احتج به القائلون بالقول الأول إن شاء الله ، وممن ذهب إلى أن الأقراء الأطهار مالك ، والشافعي ، وداود بن علي ، وأصحابهم ، وهو قول عائشة ، وزيد بن ثابت ، وعبد الله بن عمر . وروي أيضا عن ابن عباس . وبه قال القاسم ، وسالم ، وأبان بن عثمان ، وأبو بكر بن عبد الرحمن ، وسليمان بن يسار ، وعروة بن الزبير ، وعمر بن عبد العزيز ، وابن شهاب ، وربيعة ، ويحيى بن سعيد كل هؤلاء يقولون : الأقراء الأطهار ، فالمطلقة عندهم تحل للأزواج ، وتخرج من عدتها بدخولها في الدم من الحيضة الثالثة ، وسواء بقي من الطهر الذي طلقت فيه المرأة يوم واحد ، أو أقل ، أو أكثر أو ساعة واحدة ، فإنها تحتسب به المرأة قرءا ، لأن المبتغى من الطهر دخول الدم عليه ، وهو الذي ينبيء عن سلامة الرحم ، وليست استدامة الطهر بشيء ، وهذا كله قول مالك ، والشافعي ، وسائر الفقهاء القائلين : بأن الأقراء الأطهار إلا الزهري وحده ، فإنه قال في امرأة طلقت في بعض طهرها : إنها تعتد ثلاثة أطهار سوى بقية ذلك الطهر ، فعلى قوله لا تحل المطلقة حتى تدخل في الحيضة الرابعة . والحجة لمالك ، والشافعي ، ومن قال بقولهما : إن النبي عليه السلام أذن في طلاق الطاهر من غير جماع ، ولم يقل أول الطهر ، ولا آخره . وذكر أبو بكر الأثرم أن أحمد بن حنبل كان يذهب إلى قول عمر ، وعلي ، وعبد الله ، وأبي موسى ، ثم رجع عن ذلك ، وقال : رأيت حديث عمر ، وعبد الله يختلف في إسناده ، إلا الأعمش ، ومنصور ، والحكم . وحديث علي رواه سعيد بن المسيب ، عن علي ، وليس هو عندي سماع أرسله سعيد عن علي : وحديث الحسن عن أبي موسى الأشعري منقطع ، لأن الحسن لم يسمع من أبي موسى وسائر الأحاديث عن الصحابة في هذا مرسلة ، قال : والأحاديث عمن قال : إنه أحق بها حتى تدخل في الحيضة الثالثة أسانيدها صحاح قوية ، قال : ثم ذهب بعد أحمد إلى هذا . قال أبو عمر : الاختلاف الذي حكاه أحمد بن حنبل في حديث عمر ، وعبد الله ، هو أن الأعمش يرويه ، عن إبراهيم ، عن عمر ، وعبد الله أنهما قالا : هو أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة . وكذلك رواه حماد ، عن إبراهيم مرسلا ، عن عمر ، وعبد الله كما رواه الأعمش ، وكذلك رواه أبو معشر أيضا . وَرَوَاهُ الْحَكَمُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الأَسْوَدِ ، عَنْ عُمَرَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ ، قَالا : " هُوَ أَحَقُّ بِهَا ، مَا لَمْ تَغْتَسِلْ مِنَ الثَّالِثَةِ " فهذا هو الاختلاف الذي عنى أحمد بن حنبل ، والله أعلم . ومن خالفنا يقول : إن مراسيل إبراهيم ، عن ابن مسعود ، وعمر صحاح كلها ، وما أرسل منها أقوى من الذي أسند حكى هذا القول يحيى القطان ، وغيره . وقد ذكرنا في صدر هذا الديوان ما يشفي في هذا المعنى عن إبراهيم ، وغيره ، وأما حديث علي ، فرواه قتادة عن سعيد بن المسيب ، عن علي ، ورواه جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن علي ، أنه قال له : الرجعة ، حتى تغتسل من الحيضة الثالثة . ورواه الزهري أيضا ، عن سعيد ، عن علي ذكره الحميدي ، عن سفيان ، عن الزهري ، قال : أخبرني سعيد ، عن علي أنه أحق بها ، ما لم تغتسل من الثالثة . وهو قول سعيد ، وأما حديث أبي موسى ، فإنما يرويه الحسن ، عن أبي موسى ، ولم يسمع منه ، كما قال أحمد ، وأما حديث ابن عباس ، فرواه ابن أبي يحيى ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، ورواه جعفر بن محمد أيضا ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، وأما سائر الأحاديث ، عن الصحابة الذين روي عنهم أنه أحق بها ، ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة ، فإنما هي من مراسيل مكحول ، والشعبي ، وكل هؤلاء يقولون : الأقراء الحيض ، وأما الأحاديث عن الصحابة القائلين بأن الأقراء الأطهار ، فأسانيدها صحاح . روى حديث عائشة ابن شهاب ، عن عروة ، وغيره ، عن عائشة أن الأقراء الأطهار . وحديث زيد بن ثابت ، أنه قال : إذا دخلت في الدم من الحيضة الثالثة ، فقد برئت منه ، وبريء منها ، ولا ترثه ، ولا يرثها ، \ وحديث ابن عمر رواه مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : إذا طلق امرأته ، فدخلت في الدم من الحيضة الثالثة ، فقد برئت منه ، وبريء منها ، ولا ترثه ، ولا يرثها . وابن عمر روى الحديث عن النبي عليه السلام أنه قال : فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء ، وله عرضت القصة إذ طلق امرأته حائضا ، وهو أعلم بهذا ، ومعه زيد بن ثابت ، وعائشة ، وجمهور التابعين بالمدينة ، ومعه دليل حديث النبي عليه السلام ، وهو الحجة القاطعة عند التنازع في مثل هذا وبالله التوفيق . وقد روينا عن ابن عباس خلاف ما روى المخالفون عنه .