قَرَأْتُ عَلَى خَلَفِ بْنِ الْقَاسِمِ ° ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ الْوَرْدِ ° ، حَدَّثَهُمْ ، قَالَ : حدثنا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ ° ، قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ° ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ° ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ ° ، عَنْ عَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ ° ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ° ، " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ يَوْمَ ذِي الْيَدَيْنِ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ السَّلامِ "
وقد زعم بعض أهل الحديث أن في هذا الحديث دليلا على قبول خبر الواحد ، وقد ادعى المخالف أن فيه حجة على من قَالَ بخبر الواحد ، والصحيح أنه ليس بحجة في قبول خبر الواحد ولا في رده . وفيه أيضا دليل على أن الكلام في الصلاة ، إذا كان فيما يصلحها ، وفيما هو منها لا يفسدها عمدا كان ، أو سهوا ، إذا كان فيما يصلحها . وقد اختلف في هذا المعنى جماعة الفقهاء من أصحابنا ، وغيرهم على ما نبنيه إن شاء الله . وفيه أن من تكلم في الصلاة ، وهو يظن أنه قد أتمها ، وهو عند نفسه في غير صلاة ، أنه يبني ولا تفسد صلاته ، فأما قول مالك وأصحابه في هذا الباب ، فإنهم اختلفوا فيه ، واضطربت أقاويلهم ورواياتهم فيه عن مالك ، فروى سحنون عن ابن القاسم ، عن مالك ، قَالَ : لو أن قوما صلى بهم رجل ركعتين وسلم ساهيا ، فسبحوا به ، فلم يفقه ، فقال له رجل من خلفه ممن هو معه في الصلاة : إنك لم تتم ، فأتم صلاتك ، فالتفت إلى القوم ، فقال : أحق ما يقول هذا ؟ فقالوا : نعم . قَالَ : يصلى بهم الإمام ما بقي من صلاتهم ، ويصلون معه بقية صلاتهم من تكلم منهم ومن لم يتكلم ، ولا شيء عليهم ، ويفعلون في ذلك ما فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم ذي اليدين . هذا قول ابن القاسم في كتب المدونة ، وروايته عن مالك ، وهو المشهور من مذهب مالك ، وإياه يقلد إسماعيل بن إسحاق ، واحتج له في كتاب رده على محمد بن الحسن ، وكذلك روى عيسى عن ابن القاسم ، قَالَ عيسى : سألت ابن القاسم عن إمام فعل اليوم كفعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم ذي اليدين ، وتكلم أصحابه على نحو ما تكلم أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم ذي اليدين ، فقال ابن القاسم : يفعل كما فعل النبي عليه السلام يوم ذي اليدين ، ولا يخالفه في شيء من ذلك ، لأنها سنة سنها ، زاد العتبي في هذه ، عن عيسى ، عن ابن القاسم ، وليرجع الإمام فيما شك فيه إليهم ، ويتم معهم ويجزيهم . قَالَ عيسى : قَالَ ابن القاسم : ولو أن إماما قام من رابعة أو جلس في ثالثة ، فسبح به فلم يفقه ، فكلمه رجل ممن خلفه كان محسنا ، وأجزته صلاته . قَالَ عيسى : وقال ابن كنانة : لا يجوز لأحد من الناس اليوم ما جاز لمن كان يومئذ مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لأن ذا اليدين ظن أن الصلاة قد قصرت ، فاستفهم عن ذلك ، وقد علم الناس اليوم أن قصرها لا ينزل ، فعلى من تكلم الإعادة . قَالَ عيسى : فقرأته على ابن القاسم فقال : ما أرى في هذا حجة ، وقد قَالَ لهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كل ذلك لم يكن . فقالوا له : بلى ، فقد كلموه عمدا بعد علمهم أنها لم تقصر ، وبنوا معه . وقال يحيى ، عن ابن نافع : لا أحب لأحد أن يفعل مثل ذلك الفعل اليوم ، فإن فعل لم آمره أن يستأنف . وروى أبو قرة موسى بن طارق ، عن مالك مثل قول ابن نافع ، خلاف رواية ابن القاسم عنه . حدثنا خلف بن القاسم ، قَالَ : حدثنا أحمد بن عبد الله بن عبد المؤمن ، قَالَ : حدثنا المفضل بن محمد الجندي ، قَالَ : حدثنا على بن زياد ، قَالَ : حدثنا أبو قرة ، قَالَ : سمعت مالكا يستحب إذا تكلم الرجل في الصلاة أن يعود لها ، ولا يبنى . قَالَ : وقال لنا مالك : إنما تكلم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وتكلم أصحابه معه يومئذ ، لأنهم ظنوا أن الصلاة قد قصرت ، ولا يجوز ذلك لأحد اليوم . وروى أشهب ، عن مالك في سماعه ، أنه قيل له : أبلغك أن ربيعة صلى خلف إمام فأطال التشهد ، فخاف ربيعة أن يسلم ، وكان على الإمام السجود قبل السلام ، فكلمه ربيعة ، وقال له : أنهما قبل السلام . فقال : ما بلغني ولو بلغني ما تكلمت به ، أيتكلم في الصلاة . قال أبو عمر : تحتمل رواية أشهب هذه أن يكون مالك رجع فيها عن قوله الذي حكاه عنه ابن القاسم إلى ما حكاه عنه أبو قرة ، ويحتمل أن يكون أنكر هذا من فعل ربيعة من أجل أنه لم يكن يلزمه عنده الكلام فيما تكلم فيه ، لأن أمر سجود السهو خفيف ، في أن ينقل ما كان منه قبل السلام ، فيجعل بعد السلام ، فكأن ربيعة عند مالك تكلم فيما لم يكن ينبغي له أن يتكلم فيه ، ورأى كلامه كأنه في غير شأن الصلاة ، وذهب ربيعة إلى أنه تكلم في شأن الصلاة وصلاحها ، والله أعلم . أخبرنا أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي الباجي ، قَالَ : أخبرني أبي ، وحدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف ، قَالَ : أخبرنا عبد الله بن محمد بن علي ، قَالَ : أخبرنا عبد العزيز بن مدرك ، قَالَ : أخبرنا ابن وضاح ، قَالَ : حدثنا الحارث بن مسكين ، قَالَ : أصحاب مالك كلهم على خلاف قول مالك في مسألة ذي اليدين ، إلا ابن القاسم وحده ، فإنه يقول فيها بقول مالك ، وغيرهم يأبونه ، ويقولون : إنما كان هذا أول الإسلام ، فأما الآن فقد عرف الناس صلاتهم ، فمن تكلم فيها أعادها ، قَالَ ابن وضاح : وقد قيل أن ذا اليدين استشهد يوم بدر ، وإسلام أبي هريرة كان عام خيبر . قَالَ أبو عمر : قد قَالَ جماعة من المتقدمين ما قاله ابن وضاح في موت ذي اليدين ، وليس عندنا كذلك ، وإنما المقتول ببدر ذو الشمالين وسنبين القول في ذلك بعد هذا في هذا الباب إن شاء الله . وذكرسحنون عن ابن القاسم في رجل صلى وحده ، ففرغ عند نفسه من الأربع ، فقال له رجل إلى جنبه إنك : لم تصل إلا ثلاثا ، فالتفت إلى آخر ، فقال : أحق ما يقول هذا ؟ قَالَ : نعم . قَالَ : تفسد صلاته ، ولم يكن ينبغي له أن يكلمه ولا يلتفت إليه ، وهذه المسألة عند أكثر المالكين البغداديين ، وغيرهم ، محمولة من قول ابن القاسم ، على أن المصلى إنما يجوز له الكلام في إصلاح الصلاة للضرورة الدافعة إليه ، إذا كان في صلاة جماعة ، ولا يجوز ذلك للمنفرد ، لأنه لا يوجد بد لمن سبح به ، ولم يفقه بالتسبيح أن يكلم ، ويفصح له بالمراد للضرورة الداعية إلى ذلك في إصلاح الصلاة ، تأسيا بفعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع أصحابه يوم ذي اليدين . قال أبو عمر : فكانوا يفرقون في هذه المسألة بين الجماعة وبين المنفرد ، فيجيزون من الكلام في شأن الصلاة للإمام ومن معه ، ما لا يجيزونه للمنفرد . وكان غير هؤلاء منهم ، يحملون جواب ابن القاسم في المنفرد في هذه المسألة على خلاف من قوله في استعمال حديث ذي اليدين ، كما اختلف قول مالك في ذلك ، ويذهبون إلى جواز الكلام في إصلاح الصلاة للمنفرد والجماعة ، ويقولون : لا فرق بين أن يكلم الرجل في إصلاح الصلاة من معه فيها ، وبين أن يكلم من ليس معه فيها إذا كان ذلك في شأن إصلاحها وعملها ، كما أنه لا فرق بين أن يكلم رجل من معه فيها ، ومن ليس فيها معه بكلام في غير إصلاحها ، في أن ذلك يفسدها . قالوا : وإذا كانت العلة شأن إصلاح الصلاة ، فالمنفرد قد شملته تلك العلة فلا يخرج عنها . قالوا : وقد تكلم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه يوم ذي اليدين في شأن الصلاة ، وبنوا على ما صلوا ، ولو كان بين المنفرد والجماعة فرق لبينه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ولقال : إنما هذا لمن كان مع إمامه خاصة دون المنفرد ، ولما سكت عن ذلك لو اختلف حكمه ، والله أعلم . قال أبو عمر : من حجة من ذهب إلى الوجه الأول ، ممن يقول بقول ابن القاسم في هذا الباب ، أن النهي عن الكلام في الصلاة على ما ورد في حديث ابن مسعود وغيره ، إنما خرج على رد السلام في الصلاة ، وعلى مجاوبة من جاء فسأل بكم سبق من الصلاة ، وعلى من عرضت له حاجة ، فأمر بها وهو في صلاة ، وقد كان في مندوحة عن ذلك حتى يفرغ من صلاته ، فعلى هذا خرج النهي عن الكلام في الصلاة ، وجاء خبر ذي اليدين بجواز الكلام في إصلاح الصلاة إذا لم يوجد بد من الكلام ، فوجب استعمال الأخبار كلها ، وإلا يسقط بعضها ببعض ، ولا سبيل إلى ذلك ، إلا بهذا التخريج والتوجيه ، والله أعلم . هذا ليس للمنفرد ، لأن المنفرد قد أمر بالبناء على يقينه ، فكان له في ذلك مندوحة عن الكلام ، لأن الكلام ، إنما جاز فيما لا يوجد منه مندوحة ، والله أعلم . فهذا ما لمالك وأصحابه في رواية ابن القاسم وغيره في مسألة ذي اليدين ، وأما سائر العلماء ، فنحن نذكرما صح في ذلك عندنا عنهم أيضا بعون الله . أما أحمد بن حنبل فذكرالأثرم عنه ، أنه قَالَ : ما تكلم به الإنسان في صلاته لإصلاحها لم تفسد عليه صلاته ، فإن تكلم بغير ذلك فسدت عليه . وقال في موضع آخر : سمعت أحمد بن حنبل ، يقول في قصة ذي اليدين : إنما تكلم ذو اليدين ، وهو يرى أن الصلاة قد قصرت ، وتكلم النبي عليه السلام وهو دافع لقول ذي اليدين ، فكلم القوم فأجابوه ، لأنه كان عليهم أن يجيبوه . وذكرالخرقي أن مذهب أحمد بن حنبل فيمن تكلم عامدا ، أو ساهيا بطلت صلاته ، إلا الإمام خاصة ، فإنه إذا تكلم لمصلحة صلاته لم تبطل صلاته . وأما الأوزاعي فمذهبه جواز الكلام في الصلاة في كل ما يحتاج إليه المصلي ، مما يعذر فيه . قَالَ الأوزاعي : لو أن رجلا قَالَ لإمام جهر بالقراءة في العصر إنها العصر لم يكن عليه شيء . قَالَ : ولو نظر إلى غلام يريد أن يسقط في بئر فصاح به ، أو انصرف إليه ، أو جبذه ، لم يكن بذلك بأس . وأما الشافعي فقال : لا يشك مسلم أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم ينصرف ، إلا وهو يرى أن قد أكمل الصلاة ، وظن ذو اليدين أن الصلاة قد قصرت بحادث من الله ، ولم يقبل رسول الله صلى الله عليه من ذي اليدين إذ سأل غيره ، ولما سأل غيره احتمل أن يكون سأل من لم يسمع كلامه ، فيكونون مثله ، يعني مثل ذي اليدين ، واحتمل أن يكون سأل من سمع كلامه ، ولم يسمع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من رد عليه ، فلما لم يسمع النبي عليه السلام من رد عليه كان في معنى ذي اليدين ، من أنه لم يدر أقصرت الصلاة أم نسي رسول الله ، فأجابه ، ومعناه معنى ذي اليدين مع أن الفرض عليهم جوابه ، ألا ترى أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما أخبروه فقبل قولهم لم يتكلم ، ولم يتكلموا حتى بنوا على صلاتهم ، قَالَ : فلما قبض رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تناهت الفرائض ، فلا يزاد فيها ولا ينقص منها أبدا . قَالَ : فهذا فرق ما بيننا وبينه إذا كان أحدنا إماما اليوم . قال أبو عمر : فالذي حصل عليه قول مالك وأصحابه ، والشافعي وأصحابه في هذه المسألة مما لا يختلفون فيه ، أن الكلام والسلام ساهيا في الصلاة لا يفسدها ولا يقدح في شيء منها ، وتجزي منه سجدتا السهو ، وليستا هاهنا بواجبة فرضا عند واحد منهم ، ومن نسيهما ولم يسجدهما لم تضره ، ويسجدهما عند مالك وأصحابه متى ما ذكر ، وإنما الخلاف بين مالك والشافعي ، أن مالكا يقول : لا يفسد الصلاة تعمد الكلام فيها إذا كان في إصلاحها وشأنها . وهو قول ربيعة ، وابن القاسم ، إلا ما روى عنه في المنفرد . وقال الشافعي ، وأصحابه ، ومن تابعهم من أصحاب مالك ، وغيرهم : أنه إن تعمد الكلام ، وهو يعلم أنه لم يتم الصلاة ، وأنه فيها أفسد صلاته ، وإن تكلم ساهيا ، أو تكلم وهو يظن أنه ليس في الصلاة ، لأنه قد أكملها عند نفسه ، فهذا يبنى ، ولا يفسد عليه كلامه هذا صلاته . وأجمع المسلمون طرا أن الكلام عامدا في الصلاة إذا كان المصلى يعلم أنه في صلاة ، ولم يكن ذلك في إصلاح صلاته يفسد الصلاة ، إلا ما روى عن الأوزاعي ، أنه من تكلم لإحياء نفس ، أو مثل ذلك من الأمور الجسام لم تفسد بذلك صلاته ، وهو قول ضعيف في النظر لقول الله عز وجل : وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ سورة البقرة آية 238 . قَالَ زيد بن أرقم : " كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ سورة البقرة آية 238 ، فأمرنا بالسكوت ، ونهينا عن الكلام " . وقال ابن مسعود : سمعنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : " إن الله قد أحدث من أمره ألا تكلموا في الصلاة " . وقال معاوية بن الحكم : سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يقول : " إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس " . وليس الحادث الجسيم الذي يجب له قطع الصلاة ، ومن أجله يمنع من الاستيناف ، فمن قطع صلاته لما يراه من الفضل في إحياء نفس ، أو ما كان يشمل ذلك استأنف صلاته ، ولم يبن ، هذا هو الصحيح إن شاء الله . وأجمعوا أن السلام فيها عامدا ، قبل تمامها يفسدها . قال أبو عمر : وأما العراقيون أبو حنيفة وأصحابه ، والثوري ، فذهبوا إلى أن الكلام في الصلاة يفسدها على أي حال كان سهوا ، أو عمدا لصلاح الصلاة كان ، أو لغير ذلك . واختلف أصحاب أبي حنيفة في السلام فيها ساهيا قبل تمامها ، فبعضهم أفسد صلاة المسلم ساهيا ، وجعله كالمتكلم ساهيا ، وبعضهم لم يفسدها بالسلام فيها ساهيا ، وكلهم يفسدها بالكلام ساهيا وعامدا ، وهو قول إبراهيم النخعي ، وعطاء ، والحسن ، وحماد بن أبي سليمان ، وقتادة . وزعم أصحاب أبي حنيفة أن حديث أبي هريرة هذا في قصة ذي اليدين منسوخ بحديث ابن مسعود ، وحديث زيد بن أرقم اللذين ذكرنا ، قالوا : وفي حديث ابن مسعود بيان أن الكلام كان مباحا في الصلاة ثم نسخ ، قالوا : فحديث ابن مسعود ناسخ لحديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين ، قالوا : وإن كان أبو هريرة متأخر الإسلام ، فإنه أرسل حديث ذي اليدين ، كما أرسل حديث " من أدركه الفجر جنبا فلا صوم له " ، ثم أضافه إلى من حدثه به إذ سئل عنه ، قالوا : وكان كثير الإرسال ، وجائز للصاحب إذا أخبره الصحابة بشيء أن يحدث به عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إذا لم يقل سمعت ، ألا ترى ابن عباس حدث عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بما لا يكاد يحصى كثرة من الحديث ، ومعلوم أنه لم يسمع منه إلا أحاديث يسيرة ، وقالوا : ألا ترى إلى أنس بن مالك يقول : " ما كل ما نحدثكم سمعناه من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ولكن منه ما سمعنا " . ومنه ما أخبرنا أصحابنا ، وكل حديث الصحابة مقبول عند جماعة العلماء على كل حال ، قالوا : فغير نكير أن يحدث أبو هريرة بقصة ذي اليدين وإن لم يشهدها ، قالوا : ومما يدل على أن حديث أبي هريرة منسوخ ، أن ذا اليدين قتل يوم بدر لا خلاف بين أهل السير في ذلك ، قالوا : فيوم ذي اليدين كان قبل يوم بدر ، واحتجوا بما رواه ابن وهب ، عن العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن إسلام أبي هريرة كان بعد موت ذي اليدين ، قالوا : وهذا الزهري مع علمه بالأثر والسير ، وهو الذي لا نظير له في ذلك ، يقول : إن قصة ذي اليدين كانت قبل بدر ، حكاه معمر وغيره ، عن الزهري ، قَالَ الزهري : ثم استحكمت الأمور بعد ذلك ، وهو قول ابن عمر ، وجماعة أهل السير ، قالوا : وحديث ابن مسعود كان بمكة في حين منصرفه من أرض الحبشة ، وذلك قبل الهجرة ، وحديث أبي هريرة ، كان بالمدينة في قصة ذي اليدين ، هذا ما لا يدفعه حامل أثر ولا ناقل خبر ، وابن مسعود شهد بعد قدومه من أرض الحبشة بدرا ، وأبو هريرة إنما كان إسلامه عام خيبر . قَالَ أبو عمر : هو كما قالوا ، إلا أن من ذكرفي حديث ابن مسعود ، أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ في حين رجوعه من أرض الحبشة : " أن الله أحدث أن لا تكلموا في الصلاة " . فقد وهم ولم يحفظ ، ولم يقل ذلك غير عاصم بن أبي النجود ، وهو عندهم سيئ الحفظ ، كثير الخطأ في الأحاديث ، والصحيح في حديث ابن مسعود أنه لم يكن إلا بالمدينة ، وبالمدينة نهى عن الكلام في الصلاة ، بدليل حديث زيد بن أرقم الأنصاري ، أنهم كانوا يتكلمون في الصلاة حتى نزلت وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ سورة البقرة آية 238 فأمروا بالسكوت في الصلاة ، ونهوا عن الكلام فيها . وقد روى حديث ابن مسعود بما يوافق هذا ولا يدفعه ، وهو الصحيح ، لأن السورة مدنية ، وتحريم الكلام في الصلاة كان بالمدينة . وأما رواية عاصم في حديث ابن مسعود .