أَخْبَرَنَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْعَزِيزِ ° ، قَالَ : نا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ بْنِ مُوسَى بْنِ بَيَانٍ ° ، قَالَ : نا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ° ، قَالَ : نا مُوسَى بْنُ سَهْلٍ الْوَشَّاء ° ، نا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ ° , عَنْ عَوْفٍ ° ، عَنْ قَسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ ° ، عَنْ أَبِي مُوسَى ° ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الأَرْضِ ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ مِنْهُمُ الأَحْمَرُ وَالأَسْوَدُ وَالأَبْيَضُ وَبَيْنَ ذَلِكَ ، وَالسَّهْلُ وَالْحَزْنُ وَالْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ "
أعلم أنه غير ممتنع إطلاق القبض عليه سُبْحَانَهُ وإضافتها إلى الصفة التي هي اليد التي خلق بها آدم ، لأنه مخلوق باليد من هَذِهِ القبضة ، فدل عَلَى أنها قبضة باليد ، وفي جواز إطلاق ذَلِكَ أنه ليس فِي ذَلِكَ ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقه ، لأنا لا نحمل القبضة عَلَى معنى الجارحة والعضو والبعض ومعالجة وممارسة ، بل نطلق هَذِهِ التسمية كما أطلقنا قوله : خَلَقْتُ بِيَدَيَّ سورة ص آية 75 ، عَلَى ظاهره . وكذلك الوجه والعين والاستواء لا فِي مكان . وقد قَالَ أَحْمَد فِي رواية الميموني : من زعم أن يداه نعماه كيف يصنع بقوله : خَلَقْتُ بِيَدَيَّ سورة ص آية 75 مشددة ، قَالَ الميموني : فقلت : " وحين خلق آدم بقبضة " يعني من جميع الأرض ، والقلوب بين أصبعين . وظاهر هَذَا منه الأخذ بظاهر الحديث . فإن قيل : لا يجوز إطلاق ذَلِكَ عليه بل تحمل القبضة عَلَى معنى القدرة كقول القائل : فلان فِي قبضتي عَلَى معنى قادر عليه ، وعلى هَذَا قوله تَعَالَى : وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سورة الزمر آية 67 أي : تحت قدرته وملكه . قيل : هَذَا غلط لأن فيه إسقاط فائدة التخصيص بهذه القبضة لعلمنا بقدرته عَلَى جميع الأشياء ، فلا معنى لإضافة القدرة إلى خلق آدم من قبضة قبضها ، ولأن للقدرة أسماء أخص به من القبضة ، ولأنه إن جاز أن تحمل القبضة عَلَى معنى القدرة وجب أن يحمل قوله : " ترون ربكم يوم القيامة " بمعنى ترون قدرته ، وكذلك قوله : " خلق آدم بيده " بمعنى بقدرته . فأما قوله : وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سورة الزمر آية 67 فلا يمتنع أن نقول فيه ما قلناه هاهنا . فإن قيل : يحمل ذَلِكَ عَلَى معنى إظهار فعل هو الخلق والإختراع والإحداث كما قَالَ تَعَالَى : لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ سورة يس آية 66 وكما قَالَ تَعَالَى : الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ سورة يس آية 65 وليس ذَلِكَ طمسا وختما عَلَى معالجة . قيل : هَذَا يسقط فائدة التخصيص بآدم لأن إظهار الفعل موجود عند خلق غير آدم من سائر البشر ، ولأن لذلك اسما أخص به من القبض وهو الخلق والإختراع والأحداث ، ولأن هَذَا يوجب أن يكون قوله : خَلَقْتُ بِيَدَيَّ سورة ص آية 75 عَلَى معنى إظهار فعل ، وكذلك يوجب تأويل قوله : " ترون ربكم " عَلَى رؤية أفعال يظهرها ، وقد أجمعنا ومثبتوا الصفات عَلَى خلاف ذَلِكَ . وأما قوله : لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ سورة يس آية 66 نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ سورة يس آية 65 فإنما لم يضف ذَلِكَ إلى الصفة التي هي اليد لأنه لبس فِي الآية ما دل عَلَى ذَلِكَ وفي القبضة ما دل عليه من الوجه الذي ذكرنا وهو أنه مخلوق باليد من القبضة فدل عَلَى أنها قبضة باليد . فإن قيل : تحمل القبضة عَلَى أنها لبعض الملائكة بأمر الله ، كما يقال : ضرب الأمير اللص ، وإنما أمر بضربه . قيل : هَذَا غلط ، لأن الخبر يقتضي أن آدم مخلوق من القبضة ، وقد ثبت أن الخالق لآدم هو الله سُبْحَانَهُ ، فوجب أن يكون هو القابض لا غيره ، ولأنه إن جاز تأويله عَلَى هَذَا جاز تأويل قوله : خَلَقْتُ بِيَدَيَّ سورة ص آية 75 معناه بيدي بعض الملائكة . وأعلم أنه ليس بمنكر فِي العقول ، أن يكون الله خلق طينة آدم من أجزاء أنواع الطين ، وأن الأخلاق والخلق اختلفت وتفاوتت كما تفوت أجزاء الطين ، لا لأجل أن تفاوتها أوجب ذَلِكَ بل حدوثها عَلَى تِلْكَ الوجوه التي حدثت عليه بقدرة الله واختياره ، لكنه جعلها علامات لربوبيته ووحدانيته . حديث آخر