أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ ° ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ ° ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ° ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ° ، نا مُسَدَّدٌ ° ، نا يَحْيَى ° ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ° ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ ° ، عَنْ أَبِيهِ ° ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ° ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَعٍ : لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَلِجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا ، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ " . هَذَا حَدِيث مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ ، وَغَيْرُهُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ
قوله : لحسبها . قيل : الحسبُ : الفعال الْحَسَن للرجل ، وآبائه ، مأخوذ من الحساب ، وذلك أنهم إذا تفاخروا ، عدَّ كلُّ واحد منهم مَناقبه ، ومآثر آبائه ، وحَسبها ، فالحسبُ بالجزم ، العد ، والمعدُودُ " حَسب " بالنصب كالعدّ والعدد ، وقيل : الحسبُ : عَدَدُ ذوي قرابته . وقوله : " تَرِبَتْ يَدَاكَ " ، مَعناه : الحث والتحريض ، وأصله الدعاء بالافتقار ، ويقَالَ : تَرِبَ الرجلُ : إذا افتقر ، وأترب : إذا أيسر ولم يكن قصدُهُ بِهِ وقوعَ الأمر ، بل هي كلمة جارية على ألسنة العرب ، كقولهم : لا أرض لك ، ولا أمَّ لك ، وكما قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لصفية حين حاضت : " عقرى حلقي أَحَابِسَتُنا هِيَ " . معناهُ : عقر اللَّه جَسدَها ، وأصابها وَجع الحلق ، ولم يُرد بِهِ وقوع الأمر ، وقيل : قصد بِهِ وقوع الأمر ، لأنه رأى فِيهِ أن الفقر خير له من الغنى ، وقيل : أراد وقوع الأمر لتعديه ذوات الدين إِلَى ذوات الجمال والمال ، معناه : تربت يداك إن لم تفعل ما أمرتك بِهِ ، والأول أولى . وفيه من الفقه مراعاة الكفاءة فِي المناكح ، وأن الدين أولى ما اعتبر منها . واختلف العلماءُ فِي تحديد الكفاءة ، فذهب أكثرهم إِلَى أنها بأربعة أشياء : الدين ، والحرية ، والنسب ، والصنعة ، والمراد بالدين : الإسلام والعدالة ، فلا يكون الفاسق كفءًا للعفيفة ، كما لا يكون الكافر كفءًا للمسلمة ، ولا العبد للحرة ، ولا المعتق للحرة الأصلية ، ولا دنيء الحرفة لمن فوقه . ومنهم من اعتبر فِيهَا السلامة من العيوب : وهي الجنون ، والجذام ، والبرص ، والجَبّ ، وإن كَانَ فِي الرجل أحدُ هذه العيوب ، فلا يكون كفءًا للمرأة البريئة منها ، ومنهم من يعتبر اليسار أيضًا ، فيكون جماعها ست خصال . فإذا زُوِّجت امرأة دون رضاها ممن لا يكون كفءًا لها ، لا يصح النكاح ، سواء كَانَ المزوج أبًا أو غيرهُ ، وسواء كانت المرأة بالغة أو صغيرة ، وإن زوجها وليُّها برضاها ، صح النكاح إِلا أن تزوج مُسلمةٌ من كافر ، فلا يصح بحال . أما الرجل إذا نكح امرأة دونه فِي الكفاءة ، فيصح ، وإن كَانَ صغيرًا ، فقبل له الأب نكاح أمة ، لا يصح ، وكذلك لو قبل له نكاح معيبة بجنون ، أو جُذام ، أو برص ، أو رَتَق ، لا يصح ، وإن قبل له نكاح كتابية ، أو دَنيئة فِي النسب ، فقد اختلف فِيهِ أصحاب الشَّافِعِيّ . وذهب مَالِك إِلَى أن الكفاءة فِي الدين وحده ، وأهلُ الإسلام كلهم بعضهم أكفاء لبعض ، ويُروى معناه عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب ، وَعَبْد اللَّهِ بْن مسعود ، وَبِهِ قَالَ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ ، وعُبيد بْن عمير ، وَعُمَر بْن عَبْد الْعَزِيزِ ، وَابْن عون ، وَحَمَّاد بْن أَبِي سُلَيْمَان ، وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ : الكفاءة فِي الدين والنسب ، وَكَانَ يقول : إذا نكح المَولى عربية يفرّق بينهما ، وَهُوَ قول أَحْمَد ، ويُروى عَنِ ابْن عَبَّاس ، وسَلمان ، أن المَولى لا يكون كفءًا للعربية ، وذهب قوم إِلَى أن قريشًا بعضهم أكفاء بعض ، والعرب بعضهم أكفاء بعض ، ومن كَانَ من الموالي له أبوان ، أو ثلاثة فِي الإسلام ، فبعضهم أكفاءُ بعض ، فأمَّا مَنْ كَانَ عبدًا فعتق ، أو ذميا فأسلم ، فلا يكون كفءًا لامرأة من الموالي لها أبوان ، أو ثلاثة فِي الإسلام ، وَهُوَ قول أصحاب الرأي . ويحتج من يعتبرُ مجردَ الدين بما روي عَنْ أَبِي حاتم المزني ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقُهُ فَأَنْكِحُوهُ إِلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ " ، قالوا : يا رسول اللَّه وإن كَانَ فِيهِ ! قَالَ : " إِذَا جَاءَكُم من تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأنْكِحُوه " ثلاث مراتٍ . وَأَبُو حاتم المزني له صحبة ، ولا يُعرف له عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غيرُ هَذَا الْحَدِيث .