أَخْبَرَنَا ابْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ ° ، أنا عَبْدُ الْقَاهِرِ ، أنا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ ° ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى ° ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ ° ، نا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ° ، حَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ ° ، نا ابْنُ أَعْيَنَ ° ، نا مَعْقِلٌ ° ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ° ، عَنْ جَابِرٍ ° ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَقُولُ : " لا يَحِلُّ لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَحْمِلَ بِمَكَّةَ السِّلاحَ " . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ يُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ : " وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ " ، وَلا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أُبِيحَ لَهُ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ أَنْ يُرِيقَ دَمًا حَرَامًا إِرَاقَتِهِ ، بَلْ إِنَّمَا أُبِيحَ لَهُ إِرَاقَةُ دَمٍ كَانَ مُبَاحًا خَارِجَ الْحَرَمِ ، وَكَانَ دُخُولُ الْحَرَمِ يُحَرِّمُهُ ، وَصَارَ الْحَرَمُ فِي حَقِّهِ بِمَنْزِلَةِ الْحِلِّ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَنِ ارْتَكَبَ خَارِجَ الْحَرَمِ مَا يُوجِبُ الْقَتْلَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ دَخَلَ الْحَرَمَ ، هَلْ يَحِلُّ قَتْلُهُ فِيهِ ؟ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَحِلُّ ذَلِكَ ، وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا شُرَيْحٍ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ حِينَ كَانَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ ، فَقَالَ عَمْرٌو : أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ ، إِنَّ الْحَرَمَ لا يُعِيذُ عَاصِيًا ، وَلا فَارًّا بِدَمٍ ، وَلا فَارًّا بِخَرْبَةٍ . وَالْمُرَادُ مِنَ الْخِرْبَةِ : السِّرْقَةُ ، وَالْخِرَابَةُ عِنْدَهُمْ : سِرْقَةُ الإِبِلِ خَاصَّةً ، يُقَالُ : رَجُلٌ خَارِبٌ ، وَيُسَمُّونَ اللُّصُوصَ خِرَابًا . وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا ، فَلِوَلِيِّ الدَّمِ الْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَقْتُلَ الْقَاتِلَ قِصَاصًا ، وَبَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ ، وَإِذَا عَفَا عَنِ الْقِصَاصِ عَلَى الدِّيَةِ يَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ أَدَاءُ الدِّيَةِ ، رُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَعَطَاءٍ ، وَقَتَادَةَ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِوَلِيِّ الدَّمِ إِلا الْقِصَاصِ ، فَإِنْ عَفَا ، فَلا دِيَةَ لَهُ إِلا بِرِضَى الْقَاتِلِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ . وَفِي قَوْلِهِ : " فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ " ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقِصَاصَ وَالدِّيَةَ تَثْبُتُ لِجَمِيعِ الْوَرَثَةِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ . وَفِي قَوْلِهِ : " إِنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا " ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لا قَتْلَ لِبَعْضِهِمْ حَتَّى يَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ ، فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَطْفَالا لَيْسَ لِلْبَالِغِينِ الْقِصَاصُ حَتَّى يَبْلُغُ الْأَطْفَالُ ، كَمَا لَوْ كَانَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ غَائِبًا ، لا قِصَاصَ لِلْحَاضِرِينَ حَتَّى يَقْدَمُ الْغَائِبُ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ لِلْبَالِغِ الاسْتِيفَاءِ قَبْلَ بُلُوغِ الطِّفْلِ ، وَخَالَفَ أَبَا حَنِيفَةَ صَاحِبَاهُ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ .