5681 حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَنَفِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، قَالَ : كَانَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ يَأْمُرُ بِقَسْمِ الزَّكَاةِ فِي السِّرِّ . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : أُحِبُّ أَنْ تُعْطَى فِي الْعَلانِيَةِ ، يَعْنِي الزَّكَاةَ
وَلَمْ يُخَصِّصِ اللَّهُ جلَّ ثناؤُه مِنْ قَوْلِهِ : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ سورة البقرة آية 271 صدقةً دونَ صدقةٍ ، فَذَلِكَ عَلَى الْعُمُومِ ، إِلا مَا كَانَ مِنْ زَكَاةٍ وَاجِبَةٍ ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ مِنَ الْفَرَائِضِ قَدْ أَجْمَعَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ الْفَضْلَ فِي إِعْلانِهِ وَإِظْهَارِهِ ، سِوَى الزَّكَاةِ الَّتِي ذَكَرْنَا اخْتِلافَ الْمُخْتَلِفِينَ فِيهَا ، مَعَ إِجْمَاعِ جَمِيعِهِمْ عَلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ ، فَحُكْمُهَا فِي أَنَّ الْفَضْلَ فِي أَدَائِهَا عَلانِيَةً حُكْمُ سَائِرِ الْفَرَائِضِ غَيْرِهَا الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ جلَّ ثناؤُه : وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ سورة البقرة آية 271 اختلَفت القرَأةُ قي قراءةِ ذَلِكَ : فرُوي عَن ابنِ عَبَّاس أَنَّهُ كَانَ يقرؤُه : وتُكفِّرُ عنكم ، بالتاءِ . ومن قرأه كذلك ، فإنه يعْني بِهِ : وتُكفِّرُ الصدقاتُ عنكم مِنْ سيئاتكم . وقرَأ آخَرون : وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ سورة البقرة آية 271 ، بالياءِ ، بمعنى : ويكفِّرُ اللَّهُ عنكم بصدقاتِكم ، عَلَى ما ذكَر فِي الآيةِ مِنْ سيئاتِكم ، وقرأ ذَلِكَ بعدُ عامّةُ قرَأَةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ والبصرةِ : وَتُكَفِّرْ عنكم ، بالنونِ وجَزْمِ الحرفِ ، بمعنى : وإن تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفقراءَ ، نكفِّرْ عنكم مِنْ سيئاتِكم ، بمعنى : مجازاةِ اللهِ عزَّ وجلَّ مُخْفِي الصدقةِ بتكفيرِ بعضِ سيئاتِه بصدقتِه التي أَخْفاها . وأوْلى القراءاتِ فِي ذَلِكَ عندَنا بالصوابِ قراءة مَنْ قرأ : وَنُكَفِّرْ عنكم ، بالنونِ وجزمِ الحرفِ ، عَلَى معْنى الخبرِ مِنْ اللهِ جلَّ ثناؤُه عَن نفسِه أَنَّهُ يُجازِي المخفِيَ صدقَته التطوُّعَ ، ابتغاءَ وجهِه مِنْ صدقتِه ، بتكفيرِ سيئاتِه ، وإذا قُرِئ كذلك فهو مجزومٌ عَلَى النَّسْقِ عَلَى موضِعِ الفاءِ فِي قولِه : فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ سورة البقرة آية 271 ؛ لأن الفاءَ هنالك حلَّت محَلَّ جوابِ الجزاءِ . فإن قَالَ لنا قائلٌ : وكيف اخترت الجزمَ عَلَى النَّسْقِ عَلَى موضِعِ الفاءِ ، وتركتَ اختيارَ نَسْقِه عَلَى ما بعدَ الفاءِ ، وقد علمت أن الأفصحَ مِنْ الكلام في النسْقِ عَلَى جوابِ الجزاءِ الرفعُ ، وإنما الجزمُ تجويزٌ ؟ قِيلَ : اخترْنا ذَلِكَ ليُؤْذِنَ بجزمِه أن التكفيرَ ، أعني تكفيرَ اللهِ مِنْ سيئاتِ المُتصَدِّقِ ، لا محالةَ داخلٌ فيما وعَد اللَّهُ المُصَّدِّقَ أن يُجازيَه بِهِ عَلَى صدَقتِه ؛ لأن ذَلِكَ إذا جُزِم مُؤذِنٌ بما قُلْنَا لا محالةَ ، ولو رُفِع كَانَ قد يَحْتَملُ أن يكونَ داخلًا فيما وعَده اللَّهُ أن يُجازيَه بِهِ ، وأن يكونَ خبرًا مستأنَفًا ، أَنَّهُ يكفِّرُ مِنْ سيئاتِ عبادِه المؤمنين ، عَلَى غيرِ المجازاةِ لهم بذلك عَلَى صدقاتِهم ؛ لأن ما بعدَ الفاءِ فِي جوابِ الجزاءِ استئنافٌ ، فالمعطوفُ عَلَى الخبرِ المستأنَفِ فِي حكمِ المعطوفِ عَلَيْهِ ، فِي أَنَّهُ مُسْتأنفٌ غيرُ داخلٍ فِي الجزاءِ ، ولذلك مِنْ العلَّةِ اخترْنا جزمَ ( نُكَفِّرْ ) عطفًا بِهِ عَلَى موضع الفاءِ مِنْ قولِه : فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ سورة البقرة آية 271 ، وقراءتَه بالنونِ ، فإن قَالَ قائلٌ : وما وجهُ دخولِ ( مِنْ ) فِي قولِه : " ونُكفِّرْ عنكم مِنْ سيئاتِكم " ؟ قيل : وجه دخولها في ذلك بمعنى : ونكفر عنكم من سيئاتكم ما نشاء تكفيره منها دونَ جميعِها ، ليكون العبادُ عَلَى وَجَل مِن اللهِ ، فلا يَتَّكِلوا عَلَى وعدِه ما وعَدَ عَلَى الصدقاتِ التي يُخْفِيها المتصدِّقُ ، فيَجْترئُوا عَلَى حدودِه ومعاصِيه . وقد قَالَ بعضُ نحويِّي البصرةِ : معْنى مِن الإسقاطُ فِي هذا الموضِعِ ، وتأوَّل معْنى ذَلِكَ : ونكفِّرْ عنكم سيئاتِكم .