← تهذيب الآثار للطبري
تهذيب الآثار للطبري
#84 100 ☰ ذكر من أنكر المسألة بكل حال
A− A+

84 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ ، حَدَّثَنَا عَثَّامُ بْنُ عَلِيٍّ ، عَنِ الأَعْمَشِ ، قَالَ : عَصَى إِبْرَاهِيمُ ، فَخَرَجَ غُرْمُ أَلْفِ دِرْهَمٍ ، فَقَالَ : " إِنِّي أَخَافُ أَنْ أُحَاسَبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ : قَدْ كَانَ لَكَ وَجْهٌ فِي النَّاسِ ، أَفَلا سَأَلْتَ فَأَدَّيْتَهَا ؟ فَأَرْسَلَ إِلَى الْحَكَمِ وَنَاسٍ مَعَهُ ، فَسَأَلُوهَا ، فَأَدَّوْهَا "

وَأَمَّا صِفَةُ الْغِنَى الَّتِي تَحْرُمُ مَعَهُ الْمَسْأَلَةُ عَلَى الْغَنِيِّ ، وَالْمَعْنَى الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ الرَّجُلُ اسْمَ غَنِيٍّ ، فَقَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِنَا كِتَابُ الزَّكَاةِ ، مِنْ لَطِيفُ الْقَوْلِ فِي شَرَائِعَ الإِسْلامِ مَا فِيهِ الْكِفَايَةُ لِمَنْ وُفِّقَ لِفَهْمِهِ ، وَفِي هَذَا الْخَبَرِ ، أَعْنِي خَبَرَ عُمَرَ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ عَنْهُ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَيْضًا الدِّلالَةُ الْوَاضِحَةُ عَلَى أَنَّ مِنَ الأُمُورِ أُمُورًا لِلرَّجُلِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بَذْلُ بَعْضِ مَالِهِ فِيمَا هُوَ حَرَامٌ عَلَى الْمَبْذُولِ لَهُ الأَخْذُ ، فَيَأْثَمُ الآخِذُ بِالأَخْذِ ، وَلا يَحْرَجُ بِإِعْطَائِهِ ذَلِكَ الْمُعْطِي ، وَذَلِكَ كَالرَّجُلِ يُصَانِعُ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ فِي حَالِ الْخَوْفِ عَلَيْهِ مِنْ ظُلْمِ ظَالِمٍ لا يُطِيقُ دَفْعَهُ عَنْهُ بِنَفْسِهِ ، وَلا بِأَعْوَانٍ يُعِينُونَهُ عَلَيْهِ ، فَيَبْذُلُ لَهُ بَعْضَ مَالِهِ لِيَكُفَّ عَادِيَةَ شَرِّهِ ، وَكَالرَّجُلِ يُضْطَرُّ إِلَى بَعْضِ الأُمُورِ الَّتِي لا بُدَّ لَهُ مِنْهَا ، وَذَلِكَ كَالرَّجُلِ ذِي الضِّيَاعِ وَالْمَزَارِعِ ، لا يَجِدُ لِزَرْعِهِ وَغَرْسِهِ رِيًّا مِنَ الْمَاءِ إِلا بِثَمَنٍ ، فَيَبْذُلُ مِنْ مَالِهِ لِمَنْ لَهُ فَضْلُ مَاءٍ بَعْضَهُ ، لِيُعْطِيَهُ مِنْ مَائِهِ مَا يَعِيشُ بِهِ زَرْعُهُ وَغَرْسُهُ ، وَكَالرَّجُلِ ذِي الْمَاشِيَةِ بِحَيْثُ لا مَاءَ لِرِيِّهَا إِلا مِنْ فَضْلِ بِئْرٍ احْتَفَرَهَا مُحْتَفِرٌ هُنَالِكَ ، فَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ فَضْلِهَا إِلا بِثَمَنٍ ، وَكَالْمُحْتَجِرِ بُقْعَةً مِنْ بِقَاعِ الأَسْوَاقِ مِنْ ذِي سُلْطَانٍ ، أَوْ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ الإِسْلامِ ، مِمَّا لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ مَنَافِعُ ، وَقَدِ احْتَازَهَا لِنَفْسِهِ لِغَيْرِ نَفْعٍ لَهُمْ وَلا نَظَرٍ ، فَيَبْذُلُ لَهُ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ مَالِهِ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِوُصُولِهِ إِلَى حَاجَتِهِ مِنْهُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ وَمَا أَشْبَهَهُ ، وَإِنْ كَانَ حَرَامًا عَلَى الْمُعْطَى أَخْذُهُ ، فَحَلالٌ لِلْمُعْطِي إِعْطَاؤُهُ إِيَّاهُ ، وَذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ ، لَمَّا قَالَ لَهُ : " إِنَّ أَحَدَهُمْ لَيَخْرُجُ بِمَسْأَلَتِهِ مُتَأَبِّطَهَا ، وَمَا هِيَ إِلا نَارٌ " . فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : فَلِمَ تُعْطِيهِمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهِيَ نَارٌ ؟ : " إِنَّهُمْ يَسْأَلُونِي يُرِيدُونَ بِي الْبُخْلَ ، وَيَأْبَى اللَّهُ لِي إِلا السَّخَاءَ " ، فَأَعْطَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَائِلَهُ مَا سَأَلَ ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَرَامٌ ، كَرَاهَةَ أَنْ يَتَخَلَّقَ بِغَيْرِ شِيمَتِهِ الَّتِي فَطَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا ، وَأَنْ يُضَافَ إِلَيْهِ مَا لَيْسَ مِنْ سَجِيَّتِهِ مِنَ الْبُخْلِ ، فَلَمْ يَمْنَعْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِلْمُهُ بِمَكْرُوهِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ أَعْطَاهُ فِي مَسْأَلَتِهِ إِيَّاهُ ، وَمَا عَلَيْهِ مِنَ الْمَأْثَمِ فِي أَخْذِهِ مَا أَخَذَ مِنْهُ مِنْ إِعْطَائِهِ إِيَّاهُ مَا سَأَلَ ، فَكَذَلِكَ كُلُّ أَمَرٍ اضْطُرَّ إِلَيْهِ مُضْطَرٌّ مِمَّا يَحِلُّ لَهُ ، فَلَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ إِلا بِبَذْلِ مَا عَلَى الآخِذِ فِيهِ الْمَكْرُوهُ وَالإِثْمُ ، فَلا حَرَجَ عَلَى الْبَاذِلِ وَالْمُعْطِي فِيمَا بَذَلَ فِي ذَلِكَ وَأَعْطَى ، إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ السَّبِيلُ إِلَيْهِ إِلا بِبَذْلِ مَا بَذَلَ وَإِعْطَائِهِ ، وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ سَلَفِ الأُمَّةِ وَخَلَفِهِمْ

السند · الإسناد بالترتيب
محمد بن العلاء←عثام بن علي←الأعمش←إبراهيم