حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَسَنِ الشَّافِعِيُّ ° بِمَكَّةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ فِرَاسٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْفَضْلِ الرِّيبَلِيُّ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ° ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ° ، عَنْ أَبِيهِ ° ، عَنْ عَائِشَةَ ° ، قَالَتْ : " كَانَ الْحَبَشُ يَأْتُونَ ، فَيَلْعَبُونَ بِحِرَابٍ لَهُمْ ، فَكُنْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِ أُذِنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَاتِقِهِ ، حَتَّى أَكَوُنَ أَنَا الَّذِي أَنْصَرِفُ عَنْهُمْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَلْعَبُ بَنُو أَرْفِدَةَ ، أَوْ كَمَا قَالَ : لِيَعْلَمَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى أَنْ فِي دِينِنَا فُسْحَةً " . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، أَخَرَجَهُ مُسْلِمُ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، وَيَحْيَى بْنِ أَبِي زَائِدَةَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، وَلَفْظِهِمْ : جَاءَ يَزْفِنُونَ فِي الْمَسْجِدِ
فَبَلَّغَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرِّسَالَةِ ، وَأَدَّى الأَمَانَةَ ، وَنَصَحَ الأُمَّةَ ، وَسَنَّ وَشَرَعَ ، وَأَمَرَ وَنَهَى ، كَمَا أَمَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَيْسَ لأَحَدٍ بَعْدَهُ وَبَعْدَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الَّذِينَ أَمَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالاقْتِدَاءِ بِهِمْ ، وَالاتِّبَاعِ لِسُنَّتِهِمْ أَنْ يُحَرِّمَ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِلَّا بِدَليِلٍ نَاطِقٍ مِنْ آيَةٍ مُحْكَمَةٍ ، أَوْ سُنَّةٍ مَاضِيةٍ صَحِيحَةٍ ، أَوْ إِجْمَاعٍ عَنِ الأَمَّةِ عَلَى مَقَالَتِهِ ، فَأَمَّا الاسْتِدْلالُ بِالْمَوْضُوعَاتِ وَالْغَرَائِبِ وَالأَفْرَادِ مِنْ رِوَايَةِ الْكَذَبَةِ وَالْمَجْرُوحِينَ الَّذِينَ لا يَقُومُ بِرَوَايَتِهِمْ حُجَّةٌ ، وَبِأَقَاوِيلَ مَنْ فَسَّرَ الْقُرْآنَ عَلَى حَسِبِ مُرَادِهِ وَرَأْيِهِ ، فَحَاشَا وَكَلَّا أَنْ يُرْجَعَ إِلَى قَوْلِهِمْ ، وَيُسْلَكَ طَرِيقُهُمْ ، إِذْ لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ قَوْلُ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ غَيْرِهِ . وَإِنِّمَا يُلْتَزَمُ قَولُ مَنْ أُيِّدَ بِالْوَحْيِ وَالتَّنْزِيلِ ، وعُصِمَ مِنَ التَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى { 3 } إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى سورة النجم آية 3-4 ، فَعَلِمْنَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْمُرْ بِأَمْرٍ ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْ أَمْرٍ ، إِلَّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَلِذَلِكَ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سُئِلَ عَنْ أَمْرٍ تَوَقَّفَ ، حَتَّى يَأْتِيَهُ الْوَحْيُ ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْمَنْزِلَةُ لِغَيْرِهِ ، فَيَلْزَمَ قَبُولُ قَوْلِهِ . حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ خَلَفٍ بِنَيْسَابُورَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنَ مُحَمَّدٍ الْعَنْبَرِيَّ ، يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ ، يَقُولُ : " لَيْسَ لأَحَدٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلٌ ، إِذَا صَحَّ الْخَبَرُ عَنْهُ " سَمِعْتُ أَبَا هِشَامٍ مُحَمَّدَ بْنَ يَزِيدَ الرِّفَاعِيَّ ، يَقُولُ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ آدَمَ ، يَقُولُ : لا يُحْتَاجُ مَعَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قَوْلِ أَحَدٍ ، وَإِنَّمَا كَانَ يُؤْثَرُ سُنَّةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وُعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، لِيُعْلَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاتَ وَهُوَ عَلَيْهَا . حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعَدَةَ بِجُرْجَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ يُوسُفَ الْحَافِظُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ إِسْحَاقَ الْخَوْلانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى ، قَالَ : قَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ الأَصْلِ : قُرْآنٌ أَوْ سُنَّةٌ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيَاسٌ عَلَيْهِمَا ، وَإِذَا اتَّصَلَ الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَصَحَّ الإِسْنَادُ فِيهِ فَهُوَ سُنَّةٌ ، وَالإِجْمَاعُ أَكْبَرُ مِنْ خَبَرِ الْمُنْفَرِدِ ، وَالْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَإِذَا احْتَمَلَ الْحَدِيثُ مَعَانِيَ ، فَمَا أَشْبَهَ مِنْهَا ظَاهِرَهُ أَوْلاهَا بِهِ ، فَإِذَا تَكَافَأَتِ الأَحَادِيثُ فَأَصَحُّهَا إِسْنَادًا أَوْلاهَا ، وَلَيْسَ الْمُنْقَطِعُ ، مَا عَدَا مُنْقَطِعَ بْنِ الْمُسَيِّبِ . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ : هِيَ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَمَنْ قَالَ بَعْدُ بِرَأْيِهِ ، فَلا أَدْرِي أَفِي حَسَنَاتِهِ أَوْ سَيِّئَاتِهِ . وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : وَقَعَ فِي نُسْخَةٍ أَخْرَى ، قَالَ الشَّعْبِيُّ : هُوَ عَامِرُ بْنُ شَرَاحِيلَ مَا حَدَّثُوكَ عَنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَخُذْ بِهِ ، وَمَا حَدَّثُوكَ بِرَأْيِهِمْ ، فَبُلْ عَلَيْهِ . فَكَانَ فَرْضُ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَبِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، امْتِثَالَ أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ سورة الحشر آية 7 . وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا سورة النساء آية 65 . وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ سورة النور آية 63 . فَلَمَّا افْتَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْنَا فِي هَذِهِ الآيَاتِ وَفِي غَيْرِهَا مِنَ الآيِ مِنْ كِتَابِهِ عَزَّ وَجَلَّ قَبُولَ مَا أَمَرَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالنَّهْيَ عَمَّا أَمَرَ بِهِ وَزَجَرَ عَنْهُ ، لَمْ نَجِدْ طَرِيقًا إِلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ بِالْفِعْلِ الصَّحِيحِ عَنِ الثِّقَاتِ الْمَعْرُوفِينَ ، دُونَ رِوَايَةِ الضُّعَفَاءِ وَالْمَجْرُوحِينَ ، فَمَا اتَّصَلَ بِنَا عَلَى هَذَا الشَّرْطِ قَبِلْنَاهُ ، وَأَحْلَلْنَا مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ وَحَرَّمَنَا مَا حَرَّمَهُ ، وَمَا كَانَ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الشَّرِيطَةِ لَمْ نَلْتَفِتْ إِلَيْهِ ، وَلَمْ نَعْمَلْ بِهِ ، لأَنَّا قَدْ أُمِرْنَا بِقَبُولِ شَهَادَةِ الْعَدْلِ دُونَ غَيْرِهِ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ سورة الحجرات آية 6 الآيَةُ . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ كَذَبَ عَلِيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ " . وَلَمَّا ظَهَرَ فِي كُلِّ زَمَانٍ أَقْوَامٌ يَتَظَاهَرُونَ الشَّكَ وَالتَّفَرُّسَ ، يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُولُهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَهْلا مِنْهُمْ ، وَتَقَرُّبًا إِلَى الْعَامَّةِ بِالتَّعَسُّفِ اسْتِمَالَةً لَهُمْ ، وَتَكَثُّرًا بِهِمْ ، وَاسْتِخْلاصَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ بِتَعَسُّفِهِمْ ، لا كَثَّرَ اللَّهُ فِي الْمُسْلِمِينَ أَمْثَالَهُمْ ، أَصْغَتِ الْعَامَةُ إِلَى قَوْلِهِمْ ، ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُمْ لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا عَنْ بَصِيرَةٍ وَوَثِيقَةٍ ، وَإِطَلاقُهُمْ عَلَى مَنْ رَأَوْهُ عَلَى غَيْرِ مَا أَمَرَ بِهِ هَؤُلاءِ الْعَامَّةَ ، أَنَهُ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ ، مُرْتَكِبٌ لِلأَمِرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ، وَأَنَا أُبَيِّنُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي فَصْلَيْنِ . الْفَصْلُ الأَوَّلُ : يَشْتَمِلُ عَلَى جَوَازِ اسْتِمَاعِهِ بِالأَدِلَّةِ الصَّحِيحَةِ الْوَاضِحَةِ . الْفَصْلُ الثَّانِي : يَشْتَمِلُ عَلَى مَا احْتَجُّوا بِهِ عَلَى تَحْرِيمِهِ ، وَبَيَانِ بُطْلانِهِ ، وَاللَّهُ يَعْصِمُنَا مِنَ الأَهْوَاءِ الْمُضِلَّةِ وَالآرَاءِ الْمُضْمَحِلَّةِ ، إِنَّهُ جَوَّادٌ كَرِيمٌ .