الرسالة التبوكية للإمام ابن القيم (١/١) | شرح الشيخ صالح العصيمي
0:00السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين رب السماوات ورب الارض رب العرش العظيم. واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى اله وصحبه وسلم تسليما
0:20اذا اما بعد فهذا المجلس الاول في شرح الكتاب الثالث من برنامج اليوم الواحد التاسع والكتاب المقروء فيه هو الرسالة التبوكية للعلامة ابي عبدالله ابن القيم رحمه الله. وقبل الشروع
0:40في اقرائه لابد من بيان مقدمات ثلاث. المقدمة الاولى التعريف بالمصنف انتظموا في ستة مقاصد المقصد الاول جر نسبه هو الشيخ العلامة القدوة محمد ابن ابي بكر ابن ايوب الزراعي ثم الدمشقي
1:10الحنبلي يكنى بابي عبد الله ويلقب شمس الدين وتقدم ان الاسماء المضافة الى الدين من الاسماء المكروهة. المقصد الثاني تاريخ مولده ولد في السابع من كهل صفا سنة احدى وتسعين وستمائة. المقصد الثالث جمهرة شيوخه
1:40تلمذ رحمه الله لجماعة من اعيان علماء الشام في الحديث والفقه والعربية من اشهرهم واكثرهم فيه اثرا ابوه ابو بكر ابن ايوب واحمد بن عبدالحليم ابن تيمية واحمد ابن عبد الدائم الدمشقي
2:10واسماعيل ابن محمد الحراني ومحمد ابن ابي الفتح البعلي. المقصد الرابع جمهرة تلاميذه اخذ عنه رحمه الله جماعة نبه منهم محمد بن عبد القادر النابلسي وكان من اخص اصحابه به. فقرأ عليه
2:40كثيرا من تصانيفه. وعبد الرحمن ابن احمد ابن رجب. وابنه ابراهيم ومحمد بن محمد الغزي. المقصد الخامس ثبت مصنفاته له رحمه الله تآليف حسان متلقاة بالقبول. ذكره ابن حجر في الدرر الكامنة من اشهرها زاد المعاد في هدي خير العباد
3:20المعروف بالهدي النبوي واعلام الموقعين. ومدارج السالكين وشرح تهذيب سنن ابي داود. بالاضافة الى كتابه هذا. المقصود السادس تاريخ وفاته توفي رحمه الله ليلة الخميس الثالث عشر من شهر رجب وقت اذان العشاء سنة احدى وخمسين
4:00سبعمئة وله من العمر ستون سنة كاملة. رحمه الله رحمة واسعة المقدمة الثانية التعريف بالمصنف وتنتظم في ستة مقاصد ايضا. المقصد الاول تحقيق عنوانه شهر هذا الكتاب باسم الرسالة التبوكية
4:30لانه كتب به الى بعض اخوانه في الشام لما بلغ تبوك وهو في رحلته الى الحج. وليست هي تسمية من المصنف. لكنها غلبت على الكتاب للمناسبة المذكورة ونشر هذا الكتاب باسماء اخرى. منها
5:00زادوا المهاجر الى ربه. ومنها تحفة الاحباب في قوله تعالى وتعاونوا على البر والتقوى. ولا تعاونوا على الاثم والعدوان واتقوا الله ان الله شديد العقاب. المقصد الثاني ذات نسبته اليه هذا الكتاب صحيح النسبة الى ابن القيم. لتظاهر
5:40نسخه الخطية على نسبته اليه. مع وجدان نفسه فيه واشارته الى ابحاث له متفرقة. في كتب اخرى مشهورة له المقصد الثالث بيان موضوعه موضوع هذا الكتاب تفسير قوله تعالى وتعاونوا على البر والتقوى. الاية وبيان معنى الهجرة الى
6:20والى رسوله صلى الله عليه وسلم. المقصد الرابع ذكر رتبته هذا الكتاب مع وجازته احسن الكتب المصنفة مما في ايدي الناس في بيان معنى هجرة القلوب الى الله والى رسوله صلى الله عليه وسلم
6:50فان العلماء عامة والفقهاء خاصة وسعوا القول في لبيان معنى الهجرة الى الله والى رسوله المتعلقة بالابدان. وقل ان تجد احد منهم اعتنى ببيان معنى هجرة القلوب اليهما. فما فيه من
7:20ذلك من ذخائر الابحاث ولطائف الافادات في بيان المقصود المذكور انفا المقصد الخامس توضيح منهجه كتب المصنف رحمه الله كتابه هذا مرسلا دون تراجم معقودة ولا مقاصد مبينة سوى تقسيمه الى فصول باعتبار اتصال مقاصده وانفصالها
8:00وظهر فيه ما شهر به هو وشيخه ابو العباس ابن تيمية من حسن في معاني التفسير وكمال الفهم لاحوال القلوب والنفوس المقصد السادس العناية به طبع هذا الكتاب غير مرة باسماء متعددة تقدمت الاشارة اليها. وحفل
8:40عناية بالتدريس في مجالس العلماء في هذا القطر فان هذا الكتاب الرسالة التبوكية وصنوه الجواب الكافي هما اشهر كتب ابن القيم التي لم تكن قراءتها تنقطع في مجالس العلماء في هذا القطر. ولا سيما مجلس اكبرهم
9:20دمهم فلا يخلو ابدا في احد ايام اسبوعه ان يكون من كتب الدرس فيه هذان الكتابان او احدهما. وذلك لجلالة قدرهما عظيم نفعهما ومزيد الحاجة اليهما. حتى فتر الامر باخرة. ورغب الناس
9:50عن الكتب النافعة المشهورة الى كتب لا تقوم مقامها ولا تزاحم منزلتها المقدمة الثالثة ذكر السبب الموجب لاقراءه عرفت فيما سلف رتبة هذا الكتاب وجلالة قدره وحاجة الناس الى مثله ظاهرة
10:20فان هجرة الابدان قد تنقطع في زمن او بلد اما هجرة القلوب فهي حق لازم. وفرض دائم. لا ينقطع ابدا وهو يقوى ويضعف. ويزيد وينقص. فمن محركاته في القلوب ومقوياته في النفوس. ادمان النظر في مثل هذا الكتاب
11:00والتضلع بمعانيه. والتغرغر بحلاوة ما فيه فمن اشرف بنفسه عليه واوقف قلبه بين يديه وجد ما يفقده كثيرون آآ من معاني هجرة القلوب الى الله والى رسوله صلى الله عليه وسلم
11:30القلب بانواع المرققات وتقليبه بما يقربه الى رب الارض والسماوات من اعظم قاصد العلم وليس هو من علم العوام كما يتوهمه من لا فهم له. بل من اشرف علوم للخلق ومقدم العلماء فقه القلوب واحوال النفوس. فعسى ان
12:00يفي اقراءه ببعض حاجة القلوب. وان يكون بلسما شافيا حذاء كافيا وزادا مبلغا على قطع الطريق الى الله. نعم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين. اللهم اغفر لنا ولشيخنا
12:30وللمسلمين اما بعد فقال الشيخ الامام العالم العلامة محمد ابن ابي بكر المعروف المعروف المعروف بابن قيم الجوزي رضي الله عنه وارضاه في كتابه الذي سيره من تابوت. ثامنا المحرم سنة ثلاث وثلاثين وسبعمئة من الهجرة النبوية
12:50بعد ارسال المنظومة التي اولها اذا طلعت شمس النهار فانها فصل وبعد حمد الله بمحامده التي هو لها اهل والصلاة والسلام على خاتم انبيائه ورسله محمد صلى الله عليه وسلم. فان الله سبحانه يقول في كتابه
13:10على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان واتقوا الله. ان الله شديد العقاب. وقد اشتملت هذه الاية على جميع مصالح في معاشهم ومعادهم فيما بينهم في بعضهم بعضا وفيما بينهم وبين ربهم فان كل عبد لا ينفك من هاتين الحالتين وهتين
13:30واجب بينه وبين الله وواجب بينه وبين الخلق ناسخ هذا الكتاب ان مصنفه به من تبوك في ثامن المحرم سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة من الهجرة الهجرة النبوية لما كان رحمه الله حاجا تلك السنة. وقد حج عدة حجات
14:00منها حجته في السنة المذكورة منصرفه منها. فانه لما انفصل من الحج الى المدينة ثم بلغ تبوك مستقبلا الشام عائدا اليها بعث بكتابه هذا وكان قبل قد ارسل منظومته الميمية المشهورة التي اولها اذا طلعت
14:30شمس النهار فانها امارة تسليمي عليكم فسلموا. فهي مما نظمه في ذلك السفر وبعث به ثم بعث بعد بهذه الرسالة وابتدأ ابو عبد الله ابن القيم رحمه والله تعالى رسالته بعد حمد الله بمحامده والصلاة والسلام على خاتم انبيائه ورسله
15:00صلى الله عليه وسلم بذكر اية من جوامع القرآن الجامعة لمصالح العباد في المعاشي والمعاد فيما بينهم بعضهم بعضا وفيما بينهم بين ربهم والاي اللواتي جمعن المعاني هن نظير الاحاديث اللواتي جمعن المعاني. وتجد في كلام السلف مواضع متفرقة
15:40فيها اية بوصفها بقولهم اجمع اية في كذا وكذا قول الله تعالى ولم يقم احد بجمع هؤلاء الايات في صعيد واحد مع ما فيها من الانباه معان جليلة فهي حقيقة بالافراد بالتصنيف. واعجب شيء
16:10ان تجد المتكلمين في مقاصد الشريعة يوسعون القول في هذا العلم تنضيرا وتأطيرا ولم ارى احدا منهم اعتنى باعظم اية في مقاصد الشريعة وهي قوله تعالى ان الله يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى الاية. فان هذه الاية اجمع اية في
16:40مقاصد الشريعة ذكر هذا المعنى المصنف ابن القيم وغيره. ومن كلام ابن ابن قيم في ذلك ذكره ان هذه الاية من جنس تلك الاية في كونها جامعة لمقاصد الشريعة اذ قال وقد اشتملت هذه الاية على جميع مصالح العباد في معاشهم ومعادهم الا ان تلك الاية
17:10ابين في جمعها لمقاصد الشريعة ومصالح العباد. ثم ذكر رحمه الله تعالى ان موجب اشتمالها على جميع مصالح العباد في المعاش والميعاد وكونها تتناول حق العباد وحق الله. فان على العبد حقين مفروضين
17:40احدهما حق الله عز وجل والاخر حق العباد. والعبد لا ينفك من الاشتغال بهذين الحقين والقيام بهما. وهذه الاية جامعة لهما فمن مآخذ تعظيم شيء من دلائل القرآن او السنة كونه متعلقا بهذين الحقين
18:10ومن هذا الجنس في الحديث النبوي حديث ابي ذر الغفاري رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال اتق الله حيثما كنت وخالق الناس بخلق حسن. الحديث فانه عظم
18:30على بيان هذين الحقين وفي اي الكتاب واحاديث النبي صلى الله عليه وسلم جملة حسنة من الدلائل المتعلقة ببيان هذين الحقين تنصيصا وتحقيقا والا فجميع ما في القرآن والسنة يدور في رحى هذين الحقين لكن التنصيص على ذلك في جملة
19:00من دلائلهما هو المراد بالذكر. فموجب تعظيم هذه الاية وما يستقبل من الكلام فيها هو كونها متعلقة ببيان هذين الحقين العظيمين. نعم. احسن الله اليكم. فاما ما بينه وبين الخلق من المعاشرة والمعاونة
19:20والصحبة فالواجب عليه فيها ان يكون اجتماعه بهم وصحبته لهم تعاونا على مرضات الله وطاعته. التي هي غاية سعادتك التي هي هي غاية سعادة العبد وفلاحه. ولا سعادة له الا بها وهي البر والتقوى اللذان هما اللذان هما جماع الدين كله. واذا افرد كل
19:40واحد من الاسمين دخل فيه المسمى الاخر اما تضمنا واما لزوما ودخولهم فيه تضمنا اظهر لان البر جزء مسمى التقوى وكذلك التقوى فانه جزء مسمى البر. وكون احدهما لا يدخل في الاخر عند الاقتران لا يدل على انه لا يدخل فيه عند الافراغ عند الانفراد
20:00ونظير هذا لفظ الايمان والاسلام والايمان والعمل الصالح والفقير والمسكين والفسوق والعصيان والمنكر والفاحشة ونظائره كثيرة وهذه قاعدة جليلة من احاط بها جعل عنه اشكالات كثيرة اشكلت على طوائف كثيرة من الناس ولنذكر من هذا مثالا واحدا يستدل به
20:20على غيره وهو البر والتقوى فان حقيقة البر هو الكمال المطلوب من الشيء والمنافع التي فيه والخير كما يدل عليه اشتقاق هذه اللفظة وتصايفها في الكلام ومنه البر ومنه البر بالضم لكثرة منافعه وخيره بالاضافة الى سائر الحبوب ومنه رجل بار
20:40بر وكرام بررة والابرار فالبر كلمة لجميع انواع الخير والكمال المطلوب من العبد وفي مقابلته الاثم وفي حديث بن سمعان رضي الله تعالى عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال له جئت تسأل عن البر والاثم فالاثم كلمة جامعة للشر
21:00والعيوب التي يظن العبد عليها فيدخل في مسمى البر الايمان واجزاؤه الظاهرة والباطنة ولا ريب ان التقوى جزء هذا المعنى واكثر ما بالبر عن بر القلب وهو وجود طعم الايمان فيه وحلاوته وما يلزم ذلك من طمأنينته وسلامته وانشراحه وقوته وفرحه
21:20بالايمان فان للايمان فرحة وحلاوة ولذاذة في القلب فمن لم يجدها فهو فاقد للايمان او ناقصه وهو من القسم الذين قال الله عز وجل فيهم قالت الاعراب امنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا اسلمنا ولما يدخل الايمان في قلوبكم فهؤلاء على اصح القولين
21:40المسلمون غير منافقين وليسوا بمؤمنين. اذ لم يدخل الايمان في قلوبهم فيباشرها فيباشرها حقيقته. وقد جمع الله تعالى خصال البر في قوله في قوله ليس البر ان تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من امن بالله واليوم الاخر
22:00والملائكة والكتاب والنبيين واتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب واقام الصلاة واتى الزكاة والموفون بعهدهم اذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس
22:20اولئك الذين صدقوا واولئك هم المتقون. فاخبر سبحانه ان البر هو الايمان به وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر. وهذه اصول الايمان الخمس التي لا قواما للايمان الا بها. وانه الشرائع الظاهرة من اقام الصلاة الظاهرة من اقام الصلاة وايتاء الزكاة
22:40النفقات الواجبة وانه الاعمال القلبية التي هي حقائقه من الصبر والوفاء بالعهد فتناولت هذه الخصال جميع اقسام الدين حقائقه وشرائعه والاعمال المتعلقة بالجوارح وبالقلب واصول الايمان الخمس. ثم اخبر سبحانه ان هذه فصال التقوى بعينها فقال اولئك
23:00كالذي ان صدقوا واولئك هم المتقون. وما بين المصنف رحمه الله تعالى. ان هذه الاية عظمت لتعلقها بحقين هما حق الله وحق العباد شرع يبين ما انطوى فيها من هذين الحقين
23:20مبتدأ ببيان حق العباد وما يكون بين العبد وبين الخلق من المعاشرة والمعاونة والصحبة فبين ان الواجب على العبد ان يكون اجتماعه بالخلق وصحبته لهم تعاونا على الله وطاعته التي هي غاية سعادة العبد وفلاحه. بل لا سعادة للعبد الا بها. وتلكم
23:50هي البر والتقوى اللذان هما جماع الدين كله. فلا يصل العبد الى تمام الحال في معاشرة الخلائق في اكمل الاحوال الا باستعمال البر والتقوى معهما. وهدان الاصلان العظيمان البر والتقوى هما جماع الدين كله فاليهما يرجع الدين. واذا افرد كل
24:20كل واحد منهما دخل فيه مسمى الاخر. وهذه من القواعد الجليلة كما سيأتي في كلام وبين ان اندراج احدهما في الاخر اما على وجه التضمن واما على وجه اللزوم والتضمن هو ان
24:40يكون احدهما مندرجا في الاخر. واللزوم هو الا يكون مندرجا فيه لكنه ملازم له فلا بد ان يوجد معه اذا وجد ثم ذكر المصنف ان دخوله فيه تضمنا اظهر فاحدهما مندرج في الاخر تضمنا غير منفصل عنه. فالبر من افراد التقوى
25:10والتقوى من افراد البر وهذا هو الذي قصده بقوله لان البر جزء مسمى التقوى وكذلك التقوى فان جزء مسمى البر وكونهما على تلك الحال لا يمنع دخول احدهما في اخرين عند انفرادهما فاذا انفردا دخل احدهما في الاخر واذا اقترنا صار
25:40لكل واحد منهما معناه. ثم بين المصنف رحمه الله تعالى ان الواقع بين البر والتقوى تقوى هو نظير الواقع بين جملة من الاسماء التي علقت بها جملة من الحقائق الشرعية كالايمان
26:00والاسلام والايمان والعمل الصالح والفقير والمسكين والفسوق والعصيان والمنكر والفحش اشياء ونظائره كثيرة. فمن طرائق الشرع القرن بين اسمين يشتمل على حقيقتين عظيمتين تندرج احداهما في الاخرى عند الانفراد فاذا اجتمعا
26:30كان لكل اسم حقيقة تتعلق به. وما ذكره المصنف رحمه الله تعالى ها هنا اصله من كلام شيخه ابي العباس ابن تيمية الحفيد في مواضع عدة من كتبه منها اقامة الدليل على بيان بطلان التحليل
27:00ثم ذكر رحمه الله تعالى ان من احاط بهذه القاعدة زال عنه اشكالات كثيرة اشكلت على طوائف كثيرة من الناس لان عدم فهم الحقائق الشرعية على وجه تام يورد الناظر في دلائل الوحكين غلطا في انزال احكام كل اسم منزلتها. ومن اشهر
27:30ذلك ما يتعلق بالصلة بين الايمان والعمل الصالح. فان قوما توهموا ان العطف بينهما عند ذكرهما وعطف بين المتغاير في الذوات فجعلوا العمل الصالح غير متعلق بالايمان فيكون الايمان عندهم بلا عمل صالح. وهذا من الغلط في فهم دلائل الشريعة. فان ادلة الشريعة
28:00متظاهرة على انه لا ايمان الا بعمل. وعلى هذا انعقد اجماع السلف رحمهم الله تعالى حينئذ فلا بد ان يكون العطف بينهما لمعنى لا يقضي بابطال بقية الدلائل الشرعية الواردة في اندراج العمل في حقيقة الايمان بان يقال بان العطف
28:30ليس عطفا دالا على تغاير الدوات وانفصال حقيقة هذا عن حقيقة ذاك وانما هو عطف دائم على تغاير الصفات فالايمان باعتبار اصله ومرجعه متعلقه باطل وهو التصديق العمل الصالح باعتباره غالبه هو ظاهر بين. لان اصل العمل فيه المعاناة
29:00تعاطي الشيء على وجه ظاهر فلاجل وجود معنى من التغاير في الصفات في بعض الاحوال وقع العطف الذي لا يدل على انفصال حقيقة هذا عن هذا بالكلية وقل نظير ذلك في الايمان والاسلام والفقير والمسكين والفسوق والعصية
29:20والمنكر والفحشاء. ثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى انه يذكر مثالا واحدا يتعلق بهذه القاعدة يستدل به على غيره. لان النظير يدل على نظيره. فاذا علمت كيفية القول في الصلة بين البر والتقوى طرد الناظر ذلك في بقية الحقائق الشرعية التي وقع بين
29:50عطف لاشتراك في معنى وافتراق في اخر. وبين ان المثال المضروب هو البر والتقوى لتعلقه بالاية التي ذكرت في صدر كلامه. فبين رحمه الله ان حقيقة البر هو الكمال المطلوب
30:10من الشيء والمنافع التي فيه والخير كما يدل عليه اشتقاق هذه اللفظة وتصريفها في الكلام فالبر اصل موضوع في لسان العرب لمعان مفترقة من اشهرها وكثرة الخير فان هذه اللفظة تقلب على احوال وتدل على هذا المعنى من وجود
30:40وكثرة الخير. ومنه كما ذكر المصنف البر بالضم لكثرة منافعه وخيره بالاضافة الى سائر الحبوب فان البر من انفع الحبوب واكثرها. منفعة للبرء ومنه ايضا رجل بار وبر وكرام بررة والابرار
31:10ومنه ايضا اسم البر في حق ربنا سبحانه وتعالى فان من اسمائه كما قال تعالى انه هو البر الرحيم. والى ذلك اشار المصنف بقوله في نوني والبر في اوصافه سبحانه هو كثرة الخيرات والاحسان. فاصل البر دائرة
31:40على كثرة الخير ووجود المنفعة. وهذا هو الذي اشار اليه المصنف بقوله فالبر لجميع انواع الخير والكمال المطلوب من العبد. وفي مقابلته الاثم. فالاثم كلمة جامعة للشر والعيوب التي يذم العبد عليها. فالاثم مقابل البر. كالمنكر
32:10مقابل المعروف وهذا مضطرد في مواضع عدة من الشريعة يبين فيها كمال الشيء في مقابله ثم قال المصنف فيدخل في مسمى الايمان واجزاؤه الظاهرة والباطنة ريب ان التقوى جزء هذا المعنى فتكون التقوى مندرجة تضمنا في
32:40حقيقة البر شرعا ثم قال المصنف مبينا معنى جديدا واكثر ما يعبر بالبر عن بر القلب اي عن المنفعة التي تكون فيه. والصلاح الذي يحيطه وبين وجه البر في القلب ومعناه فقال وهو وجود طعم الايمان فيه وحلاوته
33:10وما يلزم ذلك من طمأنينته وسلامته وانشراحه وقوته وفرحه بالايمان. فان للايمان فرحة وحلاوة ولذاذة في القلب. فبر قلب العبد هو ان يشتمل على الطمأنينة والسكينة والانس بالله التي يجد معها حلاوة الايمان وطعمه. وهذا الوجدان هو وجدان حسي يذوب
33:40الذائق ويلمسه التائق واختار هذا ابو الفرج ابن رجب في لطائف المعارف. ومن لم يجد هذه حلاوة فحاله كما ذكر المصنف فهو فاقد للايمان او ناقصه. ففقدان هذا من القلب دال على فراغ القلب من الايمان او نقص قدره فيه. ومن كان كذلك فهو من القسم الذين
34:10الله فيهم قالت الاعراب امنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا اسلمنا ولما يدخل الايمان في قلوبكم ومعنى دخول الايمان في قلوبهم استقراره فيها وتمكنه منها تمكن الجالس على كرسيه منه فان القلب لا يجد حلاوة الايمان وطعمه حتى يستوي الايمان
34:40عليه مستقرا فيه. اما ان كان على اللسان مع قلة وصول الى القلب فاما ان يكون المرء كافرا منافقا كما قال الله عز وجل يقولون بافواههم ما ليس في قلوبهم
35:00واما ان يكون ناقص الايمان كما في هذه الاية من سورة الحجرات. فهؤلاء على اصح قولين مسلمون غير منافقين. وليسوا بمؤمنين اي كامل الايمان. لان الايمان لم يدخل في قلوبهم
35:20فيباشرها حقيقة. وهذه المباشرة هو وجدان القلب بشاشة فاذا وجد القلب بشاشة الايمان وجد حقيقة تلك اللذة وهو الذي ذكره هرقل في خطابه مع ابي سفيان في حديث ابن عباس في الصحيحين
35:50قال له هل يرتد احد منهم عن دينه بعد ان دخل فيه؟ فقال لا فقال فكذلك الايمان اذا فخالطت بشاشته القلوب فاذا خالطت بشاشة الايمان اي حلاوته وطعمه القلوب فان العبد لا
36:10عنه ولا ينفك منه لانه انس فيه ما لم يؤنسه في غيره. وذلك الانس له هو وجدان السكينة والطمأنينة فيه. ثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى ان الله عز وجل جمع خصال البر في قوله ليس البر ان تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب الاية. فاخبر
36:40سبحانه ان البر هو الايمان به وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر وهذه هي اصول الايمان الخمس التي لا قوام للايمان الا بها. ومن جملة خصال البر المذكورة في الاية ما ذكره الله من شرائع الاسلام الظاهرة من اقام الصلاة وايتاء الزكاة والنفقات الواجبة. ومن جملة خصال
37:10البر الاعمال القلبية التي هي حقائقه من الصبر والوفاء بالعهد. فتناولت الخصال المذكورة في الاية جميع اقسام الدين حقائقه وشرائعه والاعمال المتعلقة بالجوارح وبالقلب واصول الخمس فهؤلاء الخصال المذكورات من خصال البر هن الدين كله
37:40ثم اخبر عز وجل ان هذه المذكورات في الاية هي خصال التقوى بعينها فقال اولئك اولئك الذين صدقوا واولئك هم المتقون. ومن لطائف المناسبات وجميل الجمل والعبارات ذكر الصدق في هذه الاية بعد ذكر البر لان مبنى
38:10البر عند العرب وجود الصدق. وتجد في كلام كثير من اهل العربية تفسير البر بالصدق لانه لا يوجد بر اي منفعة وخير الا مع صدق. فقول الله عز وجل اولئك الذين
38:30صدقوا جيء به لتوقف وجود البر على وجود الصدق. واولئك هم المتقون لتحققهم بخصال البر الموجبة لكونهم متقين. فان امتثال تلك الخصال لا يكون الا من امرئ يطلب التقوى. نعم