13713ص434 · ج24
قلنا: تفسير ابن عباس لقوله تعالى: {وإن كنتم مرضى} اجتهادٌ منه في تفسيرِ المرضِ الذي يُباحُ له التيممُ، فلا يستقيمُ أن يكون له حكم الرفع، وقدِ اشترطَ العلماءُ فيما كان فيه تفسير الصحابي له حكم الرفع أن يكون فيه تصريح بسبب النزول.
قال السخاويُّ: "وإنما كان كذلك لأن من التفسير ما ينشأ عن معرفة طرق البلاغة واللغة كتفسير مفرد بمفرد، أو يكون متعلقًا بحكمٍ شرعيٍّ، ونحو ذلك مما للرأي فيه مجال، فلا يُحكم لما يكون من نحو هذا القبيل بالرفع؛ لعدم تحتم إضافته إلى الشارع.
أما اللغة والبلاغة: فلكونهم في الفصاحة والبلاغة بالمحل الرفيع.
وأما الأحكام: فلاحتمال أن يكون مستفادًا من القواعد، بل هو معدود في الموقوفات" (فتح المغيث ١/ ١٥٦ وما بعدها).
وقال ابنُ القصار: "وأما تفسيرُ ابنِ عباسٍ فلا يلزمُ؛ لأنه لم يذكره عن الله تعالى ولا عن رسوله" (عيون الأدلة ٣/ ١١٨٢).
كما أن ابنَ عباسٍ قد خالفه صحابيٌّ آخرُ في المجروحِ، هل يتيمم أو يغسل؟ فذهبَ ابنُ عمرَ إلى أن المجروحَ يمسحُ موضعَ الجرحِ ويغسل الباقي، فقال: ((مَنْ كَانَ بِهِ جُرْحٌ مَعْصُوبٌ فَخَشِيَ عَلَيْهِ العَنَتَ، فَلْيَمْسَحْ مَا حَوْلَهُ وَلا يَغْسِلْهُ)). أخرجه ابنُ أبي شيبةَ في (المصنف ١٤٥٨) قال: حدثنا شبابة، قال: حدثنا هشام بن الغاز، عن نافع، عن ابن عمر به.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ؛ رجالُهُ كلُّهم ثقاتٌ.
ورواه ابنُ المنذرِ في (الأوسط ٥٢٢)، والبيهقيُّ في (السنن الكبير ١٠٩٢، ١٠٩٣) من طريق هشام بن الغاز، به. ولفظه عند البيهقيِّ: ((مَنْ كَانَ لَهُ جُرْحٌ
13714ص435 · ج24
مَعْصُوبٌ عَلَيْهِ، تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى العِصَابِ وَيَغْسِلُ مَا حَوْلَ العِصَابِ)).
فهذا ابنُ عمرَ يرى أن المجروحَ يمسحُ على موضعِ الجرحِ فقط ثم يغسلُ الباقي، فليس اجتهاد ابن عباس في تفسير الآية بأولى من اجتهاد ابن عمر في المجروح، والله أعلم.
قلنا: ويجابُ بنحوه على مغلطاي حيث قال: ((وفي كتاب الدارقطني: ثنا بدر بن الهيثم، ثنا أبو سعيد الأشج، ثنا عبدة بن سليمان عن عاصم الأحول عن عطاء عن سعيد عن ابن عباس قال: رُخِّص للمريضِ التيمم بالصعيد ... إلى أن قال: قوله: رُخِّص -بضم الراء- غالبًا إنما يُعزى لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، كقوله: (أُمِرَ بلالٌ)؛ لأنه ليس لأحدٍ أن يسن أو يرخص غيره" (شرح ابن ماجه لمغلطاي ٢/ ٣٣٦ - ٣٣٧).
فلعلَّ ابنَ عباسٍ أرادَ بالرخصةِ ما جاء في كتاب الله تعالى: {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا}، كما هو ظاهر، والله أعلم.
قلنا: وقد ضَعَّفَ الحديثَ غيرُ مَن تقدَّم، منهم عبدُ الحقِّ الإشبيليُّ في (الأحكام الوسطى ١/ ٢٢٣)، وابنُ دَقيقِ العيدِ في (الإمام ٣/ ١١٨ - ١٢١)، وابنُ التركماني في (الجوهر النقي ١/ ٢٢٤)، وابنُ الملقنِ في (البدر المنير ٢/ ٦٧١ - ٦٧٢).
[تنبيه]:
سقطتْ من (السنن الصغير) للبيهقيِّ طبعة الرشد: صيغةُ التحملِ بين عبد الله بن محمد، وإسحاق بن إبراهيم.
كما تصحَّفتْ -عنده أيضًا- كلمةُ (رفعه) إلى (بعد)، وقد وردتْ على